الإثنين 01 مارس
7:00 ص

رئيس التحرير : صلاح العلاج

ملك شركة دي أن أيه الكويتية للتجارة العامة

المصدر الجريدة

خليل علي حيدر .. الأوبئة و«الأقليات»

الأربعاء 24 فبراير

من أغرب الظواهر والممارسات التي رافقت انتشار وباء الطاعون في أوروبا أو «الموت الأسود» جلد الناس أو تسويطهم أنفسهم، وكان السائطون أنفسهم فريقا من المتعبدين يمشون حفاة الأقدام عراة الظهور تعذيبا لأنفسهم، وهم يعتقدون أنهم إذا نذروا أنفسهم في حماس وغيرةٍ لهذا التعذيب هدّأوا بذلك من «الغضب الإلهي» عليهم وتراجع بذلك زحف الوباء!

وشهدت البلاد الواطئة- هولندا الحالية- أول ظهور لهم إبان الموت الأسود، وقد أطلق على إحدى جماعاتهم اسم «إخوة الصليب» لأنهم كانوا يحملون صلبانا على قبعاتهم

(تاريخ العالم، جـ5 ص 549)

ظن الكثيرون أن الوباء ينتقل عبر المسام الجلدية، إذ كان كُتّاب العصور الوسطى يرون أن مسام الجسم هي الطريق الرئيس لدخول سموم الطاعون، وكان العلاج المقترح أخذ خلطة أدوية تدعى «معجون العنبر»، وهو معجون مكون من خليط من العقاقير العطرية مكون من «الراتنج» و«الكهرمان»، وقد ظل استعمال هذه «الكرة العطرية» إلى القرن التاسع عشر! وكانت الأدبيات الطبية التي جاءت عقب انتشار الوباء عام 1348 وتتضمن معلومات عن علاج المصابين، تنصح بالاعتدال في الأكل والشرب والنوم، وتحبذ الاستحمام الذي يفتح المسام، وقواعد دقيقة لتطهير الهواء

وكان الشعب قد غمره الذعر من كثرة عدد الوفيات الفادحة، فكان ينتقم بالإمساك بنفر من البائسين أو بطوائف معينة برمتها كما سنرى، ويتهمهم بأنهم يحملون عقاقير تنشر الطاعون، وقد اضطر الكثيرون إلى الاعتراف بالجرم تحت التعذيب، حيث يتم قتلهم بعد ذلك، «وكان اليهود على الأخص هم ضحايا هذه النوبات من الذعر العام»

ودعا كثير من الكُتّاب إلى ضرورة شيوع روح المرح لمقاومة عدوى الطاعون، فكانت تعقد في ألمانيا حلبات عامة ليلهو الشعب وسرعان ما ظهر «هوس الرقص» في هذه البلاد، وانتشر انتشارا عجيباً حيث كانت جموع من الرجال والنساء يحتشدون في حلبة واحدة يرقصون في جموح، ويصرخون والزبد يخرج من أفواههم، وكان كثيرون منهم تظهر عليهم لوثة تؤدي بهم إلى الخوف من اللون الأحمر، وعندما فشا الطاعون في باريس عام 1533 أصدر البرلمان قرارات وتعليمات لرجال الشرطة لم تزل باقية منها الآن عدة صور، فكانت التعليمات تطالب كل المقيمين في المنازل التي ظهرت فيها حالات الطاعون أن يضعوا صليبا من الخشب في النافذة، وآخر على الباب الخارجي حتى يمتنع الناس جميعا عن دخول المنزل. كما أوجبت التعليمات على كل من أصيب بهذا المرض وعلى جميع أهل المنازل التي كان بها مصابون بالطاعون أن يمسكوا بأيديهم عصا بيضاء، وكان المجلس يحرم على جميع الجراحين والحلاقين «أن يلقوا في نهر السين، وفي جزئه الذي يخترق باريس، بدم المرضى المصابين بأي مرض كان»

كانت معاداة السامية واليهود، كما أشرنا، بعض الظواهر التي رافقت حوادث وباء الموت الأسود، ويقول الكاتب «ستيفن ميهم» في مقال له إنه «نظراً لتمكن بعض المجتمعات الأوروبية اليهودية- أي بعض أقلياتها- من الفرار في بادئ الأمر من قبضة الوباء، اتهمهم بعض المسيحيين بأنهم «العقل المدبر» وراء تفشي الوباء، وزعم هؤلاء المسيحيون أن اليهود سمموا الآبار وأنهم في الواقع، أي اليهود، يسعون لمحو المسيحية بأكملها، وذلك عبر السموم التي يبتكرونها من مزج الضفادع والعناكب داخل الزيت والجبن!

وهكذا تعرضت تجمعات كاملة من اليهود في ألمانيا وغيرها للإبادة، وتم حرق مجموعات أحياء بشكل جماعي، كما كتب أحد المؤرخين أن نساءً وأطفالهن الصغار أُلقوا بقسوة ودون إنسانية في النار، ويذكرنا هذا كله بالتهم التي راجت بعد حادثة تفجيرات سبتمبر 2001 في نيويورك، وانهيار مباني البرجين بأن اليهود ربما كانوا وراء العملية، وأنهم لم يكونوا في المباني لحظة انهيارها!

وتبادلت في القرون اللاحقة الشعوب الأوروبية تهمة انتشار بعض الأمراض وبخاصة الجنسية منها، فألقى سكان كل منطقة باللوم على أجانب آخرين، واعتبروهم مسؤولين عن التقرحات والالتهابات والجنون الذي يبتلى به المصاب نهاية الأمر، فالألمان كانوا يسمون الزهري «المرض الفرنسي» والفرنسيون يسمونه «المرض الإيطالي» والبولنديون يسمونه «المرض الروسي» وهكذا، وعندما اشتدت هجرة الأيرلنديين الى الولايات المتحدة مطلع القرن التاسع عشر تزامن وصولهم مع تفشي الكوليرا في عدد.....

اقرأ على الموقع الرسمي
شارك مع أصدقائك

التعليقات

التعليقات ادناه يتحمل مسؤوليتها كاتبها ولا تمثل بالضرورة رأي دروازة نيوز ولا نملك الرقابة المسبقة عليها